محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

286

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

فلم يزل يستدرجها حتّى أطاعته ؛ فدخل بين لحييها وقام في رأسها ، ثمّ أتى باب الجنّة فنادى : يا آدم ! ما أمركما ربّكما وما نهاكما عنه ؟ فقالا : أمرنا أن نأكل من شجر الجنّة ونهانا عن هذه الشجرة . فقال لهما : فإنّها شجرة الخلد وإنّما نهاكما عنها لأنّكما إن أكلتما عنها كنتما من الخالدين . وروى حسّان عن الكلبي قال : إنّ الحيّة لمّا أدخلته ، أقبل عدوّ اللّه حتّى بلغ مكانا فيه حوّاء ؛ فصفر بقصبة كان يصفر بها لم يسمع السامعون بمثله من اللذّة ؛ فقالت : أنشدك اللّه لما أقصرت فإنّك قد أهلكتني . قال : فرح . ثمّ قلب القصبة فصفر صفيرا آخر فجاء من البكاء والنوح بشيء لم يسمع مثله . فقالت : أنشدك اللّه لما أقصرت عنّي ، ففعل ، فقالت : ما هذا الذي جئتني ( 124 آ ) به من الفرح والحزن ؟ فقال : إنّي ذكرت منزلتكما من الجنّة والنعمة ، ففرحت لكما بمكانكما ، ثمّ ذكرت أنّكما تخرجان من الجنّة ، فبكيت عليكما ، ثمّ قال : إنّ ربّكما نهاكما عن أكل الشجرة لكيلا تخلدا في الجنّة ، ثمّ أكل منها وجعل يقول : يا حوّاء انظري هل تغيّر من خلقي شيء أم هل متّ ؟ فقد أخبرتك بما أخبرت ، وباللّه إنّي لكما لمن الناصحين . وقيل إن إبليس لمّا أراد أن يدخل الجنّة ليوسوس آدم وحوّاء ، منعته الخزنة ؛ فأتى الحيّة وكانت من أخسّ الدوابّ ، لها أربع قوائم وكانت صديقة لإبليس ؛ فسألها أن تدخله في فمها ؛ فأدخلته في فمها ومرّت به على الخزنة وهم لا يعلمون ؛ فأدخلته الجنّة ؛ وقد كان آدم لمّا دخل الجنّة ورأى ما فيها من النعيم قال : لو كان هذا مخلّدا ! فاغتنمها منه الشيطان ؛ فأتاه من قبل الخلد ؛ فوقف بين يديهما وهما لا يشعران أنّه إبليس ؛ فناح عليهما نياحة أحزنتهما وبكى ؛ فقالا : ما يبكيك ؟ قال : أبكي عليكما وكأنّي بكما تموتان ، القصّة . وقال محمّد بن إسحاق : « 1 » وسوس لهما وأوقع الشهوة في أنفسهما من غير مشاهدة تدلّ عليه ؛ وهو قوله تعالى : فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ وقال في صفة ذرّيّته : يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ إلى قوله : إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ ؛ وقال : يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ .

--> ( 1 ) . في الهامش عنوان : المعاني .